أبي حيان الأندلسي
425
البحر المحيط في التفسير
من التطهير بالماء أو انقطاع الدم ، وقال مجاهد وجماعة هنا : إنه أريد الغسل بالماء ، ولا بد لقرينة الأمر بالإتيان ، وإن كان قربهنّ قبل الغسل مباحا ، لكن لا تقع صيغة الأمر من اللّه تعالى إلّا على الوجه الأكمل ، وإذا كان التطهر الغسل بالماء ، فمذهب مالك والشافعي وجماعة ، أنه كغسل الجنابة ، وهو قول ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ؛ وقال طاوس ، ومجاهد : الوضوء كاف في إباحة الوطء ، وذهب الأوزاعي إلى أن المبيح للوطء : هو غسل محل الوطء بالماء ، وبه قال ابن حزم . وسبب الخلاف أن يحمل التطهر بالماء على التطهر الشرعي أو اللغوي ، فمن حمله على اللغوي قال : تغسل مكان الأذى بالماء ، ومن حمله على الشرعي حمله على أخف النوعين ، وهو الوضوء ، لمراعاة الخفة ، أو على أكمل النوعين وهو أن تغتسل كما تغتسل للجنابة إذ به يتحقق البراءة من العهدة . والاغتسال بالماء مستلزم لحصول انقطاع الدم ، لأنه لا يشرع إلّا بعده . وإذا قلنا : لا بد من الغسل كغسل الجنابة ، فاختلف في الذمية : هل تجبر على الغسل من الحيض ؟ فمن رأى أن الغسل عادة قال لا يلزمها لأن نية العبادة لا تصح من الكافر ، ومن لم ير ذلك عبادة ، بل الاغتسال من حق الزوج لإحلالها للوطء ، قال : تجبر ، على الغسل . ومن أوجب الغسل فصفته ما روي في الصحيح عن أسماء بنت عميس أنها سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن غسل الحيضة فقال : « تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرها ، وتتطهر فتحسن الطهور ، ثم تصب الماء على رأسها وتضغطه حتى يبلغ أصول شعرها ، ثم تفيض الماء على سائر بدنها » . فَأْتُوهُنَّ هذا أمر يراد به الإباحة ، كقوله : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا « 1 » فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا « 2 » وكثيرا ما يعقب أمر الإباحة التحريم ، وهو كناية عن الجماع . مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ حيث : ظرف مكان ، فالمعنى من الجهة التي أمر اللّه تعالى ، وهو القبل لأنه هو المنهي عنه في حال الحيض ، قاله ابن عباس ، والربيع . أو من قبل طهرهنّ لا من قبل حيضهنّ ، قاله عكرمة ، وقتادة ، والضحاك ، وأبو رزين والسدّي .
--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 2 . ( 2 ) سورة الجمعة : 62 / 10 .